ابن خلكان

177

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

أشهر أصحابه وأخصهم به ولما عزم الفراء على الاتصال بالمأمون كان يتردد إلى الباب فبينما هو ذات يوم على الباب إذ جاء أبو بشر ثمامة بن الأشرس النميري المعتزلي وكان خصيصا بالمأمون قال ثمامة فرأيت أبهة أديب فجلست إليه ففاتشته عن اللغة فوجدته بحرا وفاتشته عن النحو فشاهدته نسيج وحده وعن الفقه فوجدته رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم وبالنجوم ماهرا وبالطب خبيرا وبأيام العرب وأشعارها حاذقا فقلت له من تكون وما أظنك إلا الفراء فقال أنا هو فدخلت فأعلمت أمير المؤمنين المأمون فأمر بإحضاره لوقته وكان سبب اتصاله به وقال قطرب دخل الفراء على الرشيد فتكلم بكلام لحن فيه مرات فقال جعفر بن يحيى البرمكي إنه قد لحن يا أمير المؤمنين فقال الرشيد للفراء أتلحن فقال الفراء يا أمير المؤمنين إن طباع أهل البدو الإعراب وطباع أهل الحضر اللحن فإذا تحفظت لم ألحن وإذا رجعت إلى الطبع لحنت فاستحسن الرشيد قوله وقال الخطيب في تاريخ بغداد إن الفراء لما اتصل بالمأمون أمره أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العربية وأمر أن يفرد في حجرة من حجر الدار ووكل به جواري وخدما يقمن بما يحتاج إليه حتى لا يتعلق قلبه ولا تتشوف نفسه إلى شيء حتى إنهم كانوا يؤذونه بأوقات الصلوات وصير له الوراقين وألزمه الأمناء والمنفقين فكان يملي والوراقون يكتبون حتى صنف الحدود في سنتين وأمر المأمون بكتبه في الخزائن فبعد أن